أصدقاء القصة السورية  

الصفحة الرئيسية / خريطة الموقع / بحث / ضيوفنا / الكاتب / سجل الزوار

 

جمعية شام أصدقاء اللغة والثقافة العربية السورية - فرنسا

 

 / أغاني وأشعار لآية / أعياد ميلاد آية / صور آية / الكتاب الذهبي لآية

الرواية / القصة / المسرح / الشعر / الخاطرة / أدب الرسائل / المقالة / حكايات آية

للاتصال بنا

يحيى الصوفي في كنول من غوغل

Youtube  يحيى الصوفي في

facebook يحيى الصوفي في

جديد الموقع

 

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 08-08-10

 

من وحي الواقع - قصص عامة

 

حب من خلف النافذة

 

 

 
 
     
     
     

لقراءة التعليقات

 
 

 

 

 

 

حب من خلف النافذة

قصة بقلم: يحيى الصوفي

 

كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة مساءً عندما لاحظت أمل بان ثمة حركة غير عادية تجري في البيت المقابل لمنزلها.. حيث تطل عليه من نافذتها، ذلك البيت المهجور بحديقته الصغيرة وأشجار البرتقال والليمون و"الاكيدنيا" التي لم تمس منذ أكثر من عشرين عاما... عشرين عاما من الحكايات الغريبة... وقصص عن أشباح تسكن في زواياه المظلمة خلف نوافذه المغلقة المليئة بالأسرار... حتى بدت ملامحه الوديعة مع سقفه القرميدي الأحمر كقصر خرافي يشبه ما كانت تراه في قصص الحب الخيالية الملونة التي كانت تقرؤها عندما كانت في السابعة من العمر... وكانت يومها تتمنى أن تكون كبطلتها سندريلا بفستانها القرمزي المطرز بألف نجمة... وحذائها المخملي الأبيض وعربتها المزخرفة بشتى أنواع الزهور... وأحصنتها البيضاء وقد وقفت تنتظر عودتها بكل إباء وغرور!.

 

وكانت وفي كل مرة تطل من خلال نافذتها الصغيرة -الوحيدة التي سمح لها بالوقوف عليها بدون حجابها المعتاد- تستعيد ذلك الحلم الجميل الذي يعشش في خيالها منذ إن كانت طفلة صغيرة... تتعثر وهي هاربة لتترك على إحدى درجات السلم فردة من حذائها... وكانت عندما تعبر بجوار ذلك القصر المهجور لتقطف بعض من أزهار الياسمين المتدلية من فوق أسواره تجده كبيرا وكبيرا جدا!... ولم يتضاءل حجمه وتنحسر عدد درجاته إلا بعد أن أنهت الثانوية وبدأت تعد العدة لدخول الجامعة... فلم يعد ذلك البيت الموحش يثير اهتمامها!.

 

والدرجات الثلاث لم تعد كافية لتعيق هروبها من قصر أميرها... والحديقة صغرت على قدر لم تعد تسع عربتها الكبيرة... كبر حلمها!... والنافذة المدورة الصغيرة التي ضمت ساعتها بعقاربها الثلاث وأجراسها السبعة قد تلاشت ولم تعد تدق منذرة قدوم الثانية عشرة ليلاً!...

 

وأميرها المنتظر لن يعثر على حذائها ولن يجوب المدينة بحثا عنها ولن يطرق بابها كما كانت تتمناه وتنتظره منذ أكثر من عشرين عاما!؟... لقد انحسرت المسافات وتضاءلت عدد الدرجات وعادت للأشياء أحجامها الطبيعية، وعاد لذلك المنزل وحديقته الصغيرة شكلاهما المألوفان ككل البيوت القديمة!... وتلك الزهور التي كانت تجمعها له بين أوراق دفاترها الملونة بالذكريات فقدت أريجها ولم يبقى منها إلا رقائق هشة تشبه أجنحة الفراشة الميتة!.

 

 (لابد أنهم قد عادوا أخيرا) تنهدت أمل وهي تحاول أن تستطلع من خلال الخيوط الدقيقة للأنوار المنبعثة من خلف النافذة عن شكل الساكن العائد بعد غياب طويل عن الوطن، ثم تساءلت: (كيف يبدو خالد يا ترى؟.... ذلك الشاب المرح؟.... هل سيذكرني إذا ما رآني؟... هل سيذكر "أمل" الفتاة الصغيرة التي كان يلاعبها عندما كانت تحل عليهم ضيفة مع والدتها؟... هل سيتذكر كيف كان يحملها بين ذراعيه ليضعها على الأرجوحة الخشبية، وهو يهزها ويغني لها ويحاول إضحاكها بحركاته الظريفة التي تشبه المهرجين؟... سيذكر الزهرة الحمراء التي أهداها لي والتي لازلت أحفظها بين أوراقي أتفقدها كلما اشتقت لان أراه واسمعه!؟.)

 

فجأة تذكرت بأنها لابد تحتفظ بتلك الوردة في أحد دفاترها العتيقة الموضوعة في صندوقها الخشبي الصغير بانتظار هذه اللحظة!؟... لحظة عودة أميرها الموعودة!...فذهبت لتحضره، وتتفقد محتوياته، باحثة بكل اهتمام عنها!... فوقع نظرها صدفة على آخر الصفحات التي كانت قد كتبتها قبل أن تغلق على تلك الوردة الحمراء والتي لم يبق منها إلا بتلة واحدة!... والى جانبها بعض كلمات تقول: (هذه أخر بتلة من البتلات العشرة الحمراء المؤلفة من الوردة التي أهديتني إياها منذ عشرة سنوات كنت اترك في كل دفتر من دفاتر ذكرياتي التي خططتها واحدة منها وبدأت مع أولاها ((يحبني))، وهكذا حتى وصلت إلى العاشرة والأخيرة حيث وقعت على عبارة ((لا يحبني)) وعرفت أخيرا بأنك لا تحبني ولا تفكر بي وأنا كذلك؟!.)

 

أغلقت أمل الصندوق بعصبية ظاهرة وهي تحاول أن تطرد من ذهنها شبح أحلام جميلة عايشتها، وكانت قد وضعت حد لها، واعتبرت تصرفها ذاك وكأنه خيانة للعهد الذي يربطها بها، وأرادتها أن تكون سر أسرارها!.... وتذكرت بان العبارات الجميلة التي خطتها وكل الذكريات لم تكن إلا من وحي خيالها وبان لاشيء يربطها مع القادم الجديد.

 

(إذا لما أنا مضطربة هكذا؟) تساءلت أمل ثم تابعت: (لابد لان هذا الغريب القادم من بعيد قد حل فجأة ليسرق ما هو لي!... قصري... أميري... حديقتي... أزهاري... أحلامي... ذكرياتي... ولن اتركه ولا بشكل من الأشكال أن يفعل؟!... هذا كل ما تبقى لي!... هذا كل ما املك؟!.)

 

تقلبت أمل في فراشها طوال الليل محاولة أن تتجاوز القلق الذي حل بها فجأة من جراء وصول هذا الغريب وقد استولى على كل أمالها وأحلامها بلحظة واحدة، وقررت أن تأخذ المبادرة لتدافع عما اعتبرته حقا شرعيا لها.

 

فهي التي كانت تزين هذا القصر الصغير بأحلامها وترسمه في مفكراتها.. وتعتني بأشجار حديقته وأزهارها.. من خلال نظراتها القلقة عليها تتفقدها في كل صباح... هو غائب عنها بعد أن هجرها ولا تربطه بها أي شيء سوى أنها ارث مكتوب ومهدى له على الورق.

 

واعتبرت بأنها أحق منه بها فهي تمثل كل شيء لها بل وأكثر... حريتها... فلن تستطيع بعد اليوم من الوقوف على نافذتها الوحيدة التي تطل منها على العالم الخارجي بحرية... وتصورت بأنه سيسرق منها حتى حريتها وقررت ألا تتركه يفعل!!!.                            

 

في صباح اليوم التالي استيقظت أمل على أصوات العمال وهم يتناوبون في إخراج أغصان الأشجار التي قطعت، وبقايا من أوراقها المتكدسة منذ سنوات.

 

وشعرت وهي تراقبهم من خلف ستارة نافذتها وكأنهم ينقلون بعض منها إلى المجهول!.

 

ولفت انتباهها علبة بيضاء للبريد قد ثبت على باب المنزل بطريقة لم تألفها من قبل (هكذا إذاً؟!.. أنه ولابد قد عاد ليستقر هاهنا إلى جواري وللأبد؟!.) تساءلت بامتعاض ثم ابتسمت فلقد جاءها الفرج من حيث لا تدري وصاحت بفرح: (لقد وجدتها... سأكتب له... ستكون علبته نافذتي الجديدة لكي استرد منها حريتي التي سرقها بدلا من تلك التي أغلقها... واجبره على الفرار!!!.) وقررت الكتابة له!!!.

 

فخطت أولى رسائلها تستفزه وتسأله فيها عن نفسه تاركة عنوان بريدها الخاص في المؤسسة التي تعمل بها ووقعتها باسم مستعار ثم رمتها بعلبته البريدية قبل أن تغادر إلى وظيفتها.

 

ولم يطل انتظارها طويلا حيث عثرت في اليوم التالي ضمن بريدها الخاص على رسالة منه يقول فيها: (وصلتني رسالتك وأنا لم استغرب من وجودها بقدر استغرابي من كاتبتها التي لم يحصل لي وان عرفتها من قبل.؟ اخبريني من أنت؟.)

 

أسرعت أمل إلى غرفتها حيث أوراقها وأقلامها وخطت له بعض العبارات المختصرة تسأله نفس سؤاله؟. (رسالتك رغم قلة حروفها فهي بليغة، ويبدو بأنك لم تضع الوقت ولديك رغبة عارمة في معرفة صاحبتها، وقد تتخيلها سهلة وهي ليست كذلك ولكن بيني وبينك حساب قديم ويجب أن نراجعه ونعيد لكل ذي حق حقه؟!. وأخيرا أتمنى أن تخبرني أولا من تكون؟.) وكأنها أرادت بذلك أن تثير فضوله أكثر قبل أن يعرفها وتكشف له كل أوراقها.

 

وبالرغم من أنها كتبت له بجفاء إلا أنها كانت تحتضن رسالته وتعود لتقرأ كلماته القليلة بشيء من النشوة وهي ترتجف، ومضت ساعات قبل أن تستعيد هدوءها واضطرابها غير المعهود وكأنها ارتكبت إثماً، فغادرت المنزل دون أن تتناول طعام غذائها لترمي له بالرسالة وتمضي!...                     

 

في اليوم التالي لم يخب أملها حيث وجدت رسالته الثانية إليها وقرأت: (أنت ولابد تعرفين الكثير عني، وأنا لم استقر بعد في بيتي ولم افتح أبوابه ونوافذه التي علت أقفالها الصدأ حتى أجد خصوم لي وحسابات قديمة لا اعرف مصدرها، وأنا في كل الأحوال لا أمانع بالتعرف عليك أكثر ومناقشتها إذا شئت ولكن اخبريني كيف ومن أنت ولماذا تتخفين خلف اسم وعنوان مستعار؟؟؟.)

 

وشعرت وهي تعيد قراءتها بأنه ولابد يتمتع بالكثير من الخلق أو انه يشعر بالوحدة مثلها ويرغب بالتعرف إليها... أو ربما لم يكن تصرفه معها على هذا النحو إلا لتعوده على التصرف بلباقة مع مخاطبيه تأثرا بعادات وتقاليد البلاد التي عاش فيها!...

 

لم تنتظر أمل عودتها إلى المنزل فمسكت بالورقة وكتبت له: (أولا أنا اسمي الحقيقي أمل ولن تجد صعوبة كبيرة في التعرف علي إذا ما نظرت حولك ورأيت شيء ما قد تغير، الق نظرة من نافذتك تجد عنواني الجديد تستطيع أن تكتب لي إليه، ويسعدني التعرف أليك أكثر، ولكن قبل أن نلتقي لمناقشة ما نختلف حوله عليك التوقف عن تقطيع أوصال عروق الياسمين المتدلية على أسوار الحديقة فهي تعني الكثير لي، فلا تستغرب سأخبرك بالسبب لاحقا؟!.)

 

ترددت أمل في إيداع رسالتها وشعرت بأنها لابد تسرعت في التجاوب مع شخص غريب كان غريما لها منذ أيام وتساءلت في سرها عن سبب اندفاعها نحوه بهذا الشكل، وبأنها ربما قد أخطأت في التحرش به على هذا النحو!.

 

ولكن هي تعرف تماما بأنها لم تكن تتوقع أجابته السريعة لها وبأنها ربما قد وقعت في نفس الفخ الذي نصبته له!... وقعت بالحيرة والفضول وهاهي تكشف كل أوراقها؟ (أي أوراق؟.) تساءلت أمل: (هو لن يعرف شيئا عني أكثر من بعض كلمات وعنوان!.. وإذا رغب باللعب فيكون قد أعلن حرب خاسرة سلفا على نفسه وسأدير معاركها ضده بكفاءة!... فانا من يعرف مكانها جيدا واطل عليه من نافذتي فأراه ولا يراني. أستطيع بكل بساطة أن افتح النافذة لأطل عليه وأقرا برنامجه اليومي... متى يصحو... متى يتناول إفطاره... متى يخرج ومتى يعود ومتى ينام... كل شيء تقريبا... في حين هو لا يستطيع ذلك!!!.)

 

ولهذا لم تتردد أمل ثانية واحدة من متابعة ما عزمت عليه وطلبت من البواب شراء وتعليق علبة بريدية خاصة لها لونتها بلون زهري مميز وقد كتب عليها بحروف واضحة "الأستاذة أمل".                     

 

سر خالد بوجود رسالة أمل بين بريده اليومي وصحفه التي لم تتأخر بالوصول إلى عنوانه الجديد، وقد وضعت على طاولة مكتبه القديم بعد أن جلبها الآذن، ووضع إلى جانبها فنجان قهوته المعتادة.

وجلس يقرأها وهو يبتسم... فلقد وجد في صراحتها وجراءتها علامات من الاستقلالية والثقة ما كان يتوقعها في بلدته المحافظة، فتناول القلم وكتب لها: (لقد سررت كثيرا بوجود رسالتك الوحيدة في بريدي هذا الصباح.. وسررت بصراحتك، ويبدو بأنك قريبة مني كثيرا لدرجة أن لا أراك فيها، وأنا لا اخفي عليك بأنني حاولت العثور عليك بين البيوت الكثيرة والنوافذ التي تعد بالمئات.. والتي تطل من العمارات الشاهقة التي احتلت مكان البيوت القديمة في هذا الحي المتواضع، والذي تنكر للماضي على ما يبدو.. واخذ أجمل ما املكه وهو الوطن!... الوطن الذي حننت إليه وحلمت به وتمنيت أن أعود إليه واجده مع أهله وأحيائه وخلقه وقيمه وروائحه المميزة... وأنغام الطيور وهي تهدهد، وغناء عصافير الدوري وهي تزغرد... وعندك حق عندما اشترطت عدم المساس بأغصان الياسمين مقابل لقاءنا؟!. فيبدو بأن من حسنات هجري لهذا البيت، هو إنني حافظت على أخر ملجأ آمن لكل الطيور والعصافير والسحالي وجميع أنواع الفراشات... وحتى أعشاش "السنونو" لم تفتقد لهجرتها مكانا!... ويبدو بأنني المتطفل والغريب الوحيد عليكم جميعا؟؟؟... فلا تقلقي ساترك كل شيء على حاله فهل استحق مكافئتي بلقاك والتعرف إليك؟.) ثم نادى على الآذن طالبا منه إيداعها بالعلبة الزهرية اللون المعلقة على مدخل البناية المقابلة

 

لم تتأخر أمل من الهبوط درجات السلم الأربعين التي تفصلها عن علبتها... فلقد شاهدت الآذن -الشخص الوحيد الذي رأته إلى الآن- يقترب منها وبحدس الصياد الماهر الذي ينتظر اهتزاز قصبته منذرة بوقوع سمكة جديدة بالأسر.. فتحت أمل علبتها لتخلص تلك الرسالة من صنارتها وتعيد إغلاقها بحرص كمن يعيد الطعم لاصطياد أخرى!... وعادت إلى غرفتها متشوقة لقراءتها... فألقت نظرتها الأولى المعتادة تطالعها بسرعة البرق ثم عادت لكي تتأمل السطور تبحث بين حروفها عما يمكن أن تخفيه من مشاعره المخبأة فيها فوجدته رصينا وجديا أكثر مما توقعت... عادت مرة ثانية تتفحصها وكأنها قد أغفلت أمرا لم تستطلعه بما فيه الكفاية... وصدق حدسها فلقد وجدت كلماته مطبوعة على ورقة ملونة تخفي بين رساماتها الهادئة بعض مما يحب أن يقوله... انه النصف الآخر الصامت الذي تبحث عنه ووجدته!... فسرت لاكتشافها وجلست تخط له جوابها: (أشكرك على احترام رغبتي في الحفاظ على أغصان الياسمين موحشة كما هي.. وعلى البقية الباقية من أشجار قديمة حوت فيما حوت ذكريات وأحلام جيل كامل من أهل هذا الحي.. وتختصر أمالهم بالحفاظ على البقعة الخضراء الوحيدة التي تسر النظر وتبهج الروح وتعيد إلى النفوس بعض الأمل.

 

خاصة إذا ما علمت بان الأماكن المعتمدة لإنشاء الحديقة الخاصة بالحي الجديد قد سرقت وبيعت لتتحول إلى دولارات في جيوب المسئولين عن هذا المشروع.

 

وبان أشجارك الوحيدة الباقية هي دليلنا بحلول الفصول الأربعة بعد أن فقدنا الإحساس بها في خضم الزحام والضجيج وروائح المازوت المنتشرة في كل مكان؟؟؟.. فمن خلال زهور أشجارك الوديعة وزقزقة العصافير وهديل الطيور نعرف بان فصل الربيع قد حان! ... وعندما تتدلى أغصان أشجار الليمون والبرتقال من ثقل ثمارها لتلامس الأسوار نعرف بان الصيف قد وصل!... ومع حلول طيور "السنونو" تتسابق لتحتل الجحور البسيطة التي تركتها أسلافها نعرف بان الخريف قد قدم!... وعندما تبدأ ثمرات الليمون والبرتقال تتساقط أرضا صابغة الحديقة وأطراف الرصيف بألوانها ورائحتها المميزة العطرة نعرف بان الشتاء قد حل علينا!...

 

أما الياسمين فهي مزار الصغير والكبير من أهل هذا الحي كلّ منهم يتزود من أزهارها لحاجته ولم تبخل.

 

وإذا قدر لي أن اعد المئات من الملايين منها التي أفرحت القلوب وزينت الصدور وعطرت المياه العذبة بدلا من البخور... وكانت وسيلة العاشقين للدلالة على حبهم وامتنانهم وإدخال السرور... حتى المقابر لم تفتقدها ففي كل جنازة منها المئات تتناثر عليها في خشوع!... لكل واحد منا فيها ذكرى وقصة وحصة!؟.. سننازعك عليها إذا ما قررت سوءً بها؟!.

 

واعذرني قسوتي وجفائي فهذا البيت هو كل ما تبقى لي....ما تبقى لنا من خضرة هذا الوطن ومن ذاكرته ووجدانه.؟ ! أما عن سؤالك عن لقاء قريب بيننا فكل شيء في حينه أفضل، تحياتي، أمل.)

 

استلم خالد رسالتها وقرائها بكل هدوء ثم وضعها جانبا وكأنها لا تعنيه فلقد شعر لأول مرة بأنه يخضع لأسئلة صعبة ومحرجة، انه بكل بساطة يخضع للتحقيق عن أشياء تخصه ولا يحب أن يتداولها مع أي كان.

 

وبالرغم من الصراحة البليغة التي تناولت بها أموره الخاصة تلك وغيرتها واندفاعها في تحويل ملكيته وأخر قطعة من وطنه إلى أمر عام ستنازعه عليها، فلقد وجد فيما طرحته حقيقة لا يمكن أن يتجاهلها... وكان مستعد تماما أن يقايضها به مقابل رغبته في لقاءها والتعرف إليها... فلقد شغلت عقله وأثارت فضوله وحركت جوانب منسية من طفولته وعشقه وحبه للوطن، لقد كانت -ومن حيث لا تدري- تعيد رسم اللحظات الباهتة الحنونة من ذاكرته وتلونها بألوان مليئة بالفرح والأمل.

 

فتناول رسالتها ليعيد قراءتها باهتمام وقرر أن يخطو خطوة أكثر جدية معها فهو لا يحب هذه اللعبة -رغم براءتها- أن تستمر.

 

فلقد تجاوز سن المراهقة وعليه أن يحترم عادات وتقاليد أهل البلدة المتعارف عليها، فكتب لها: (أنا اتفق تماما على كل ما طرحته علي في رسالتك ومستعد للقائك للتفاوض على التفاصيل، فانا لا اخفي عليك بأنني سحرت بك وتمسكك بما تحبيه وتعشقيه من وطنك وأتمنى أن أكون وبكل بساطة بعض منه علني اكسب اهتمامك وحبك وحنانك... أن تكوني بكل بساطة وطني... فهل تقبلين بي؟؟؟ أرجو ذلك.)

 

تلقت أمل رسالته بشيء من الغبطة وتفاجأت بصراحته ودعوته لها!... واعتبرتهم إعلان استسلام من طرفه.. وبأنها لابد قد أصابت مقتلا منه فوقع بغرامها دون أن يراها.. وبالرغم من شعورها بالانتصار بمعركة لم تخوضها كما تمنت إلا أنها ترددت بالإجابة عليه.. لأنه جردها من وهج المبادرة.. فأصبحت بكل بساطة أسيرة دعوته المسالمة وإعلانه لحبه دون مقدمات.

 

فأصيبت بالحيرة وتناوب عليها القلق والاضطراب وشعرت بمفاصلها ترتجف دون أن تعرف السبب، فارتمت في فراشها وقد أخذت أطراف الغطاء لتختبئ تحته، وكأنها تحاول الهروب من موقف صعب لم تتعود عليه، وأحست بالمياه الباردة تغمرها بعد إن كانت غارقة بالعرق، لقد أصابتها اعترافاته بشعور غريب لم تألفه وبضيق وخجل؟.                             

 

لم تستفق أمل من الحمى التي أصابتها إلا بعد أسبوع.. كانت تتهرب من الجميع... جميع من حولها متحججة بشتى الأعذار.. ونافذتها التي لم تغلق منذ سنوات لم تفتح كما هي العادة لتتعرف من خلالها على تناوب الليل والنهار!!!... لقد فقدت الإحساس بالزمن وشعرت بنظراته تطاردها وبكلماته تبحث عنها دون كلل أو ملل!... وبأنه لابد سيعثر عليها ويطرق بابها بعد أن غابت عنه... وتذكرت أحلام طفولتها...تذكرت سندريلا وحذائها... أميرها... قصرها... فشعرت برهبة الموقف وتخوفت من اللقاء... فجأة تذكرت بأنها نسيت أن ترد على رسالته الأخيرة... نسيت أن تدله عليها... عما قررت...أن تترك فردة حذائها... دليله على وجودها!!! ...

 

فنهضت من الفراش وخطت رسالتها المؤلفة من بضع كلمات تقول فيها: (لقد تأخرت كثيرا عليك لأنني كنت مشغولة في بعض أعمالي، اشكر لك اهتمامك وكلماتك المعبرة الحنونة واقبل بدعوتك لي للقائك، ما رأيك بزيارتنا هذا المساء لقد تحدثت إلى والدي بالأمر وهم فخورين بك وبمعرفتك ويحفظون لوالديك كل الاحترام فلقد كانت تربطنا بكم صداقة قوية وقرابة قبل أن تترك الوطن بعد فقدانك إياهم... وان دققت قليلا في ذكرياتك البعيدة لوجدتني اسكن في بعضها، أعذرك إذا نسيتني فلقد كنت صغيرة جدا يومها، نحن بانتظارك وإلى اللقاء.)

 

نزلت أمل الشارع لتعبره للجهة المقابلة حيث بيت خالد ساعية إلى علبته البريدية فلم تجدها ؟!.. فظنت بأنها ولابد قد أخطأت المنزل... تفقدت المكان حولها وأعادت تبحث عن علبتها الضائعة فلم تعثر عليها!.. وتخيلت للحظات بأنها ولابد تهزي من أثار الحمى التي أصابتها! (ولكن أثار تلك العلبة لازالت هنا بثقوبها الأربعة) تساءلت أمل: (ماذا حصل إذا؟... أين هو ولماذا أغلقت النوافذ والأبواب وعاد المنزل إلى سابق عهده مهجورا؟.) وقبل أن تترك المكان رمت برسالتها في الحديقة وعادت إلى منزلها وقلبها يشتعل من القلق والحزن والخوف.. وتمنت لو أن الأرض انشقت وابتلعتها على أن تجد نفسها في موقف كهذا وشعرت بنوبة الحمى تعاودها.            

 

مضى أسبوع آخر وأمل طريحة الفراش تهزي... حتى استيقظت على أصوات صراخ وعويل قادمة من الجهة الأخرى من الشارع يصاحبه ضجيج لآلات ضخمة تعبره... ففتحت نافذتها تستطلع الأمر فوجدت الجرافات الإسرائيلية تقوم بهدم المنزل بحراسة الجيش وبعض من أفراد الشرطة... وشعرت وهم يقومون بقطع أخر الأشجار الخضراء التي يحتويه ونقل أخر أحجاره في سيارات نقل عملاقة -لإفساح المجال لبناء جدار العزل المشئوم- بأن جزءا منها قد هدم واستبيح وقتل!؟... فصرخت بأعلى صوتها حتى سقطت أرضا وقد أغمى عليها من الحسرة والألم.

 

ومن يومها لم تجرؤ على فتح نافذتها لأنها فقدت وسيلة الاتصال الوحيدة بعالمها التي كانت تفرح بالإطلالة من خلالها... خاصة بعد أن خسرت مساحتها الخضراء الوحيدة ودلالات الفصول الأربعة ورائحة الزهور... وزغردة العصافير والطيور... وأزيل أخر أثر لحلمها وحريتها... والوجه الصغير الأصفر الذي كان ينبئها بوجود خالد خلفه... نافذته... انطفأ... وانطفأ معه قصره... قصرها... حبه... حبها... حريتها... حريته!؟.

فجمعت الوصلات الكهربائية بعد إن فصلتها عن جهاز "الكمبيوتر" ووضعتهم معه في صندوق خشبي كبير وأغلقت عليه بكامل ملفاته ومراسلاته دون تغير.

--------------------------------------------------------------

مع تحيات المؤلف: يحيى الصوفي  جنيف في  08/04/2004

اقرأ حول نفس الموضوع  مع التعليق ( المراهقة - الحب العذري )  أو ( حب من خلف النافذة  )  أو ( حب من خلف النافذة في شظايا)

 

روجينا محمد (كاتب) منتدى شظايا أدبية / 26-11-06, 01:35 AM

ربمــا .. من حُسن حظنــا ردك المتأخر على الأخ تركي ..
نحن بحاجـة ماسـة لأجراس شبيهـة بالتي في قصتِك ..
-
مضى عام على نشر قصتك يا يحيى
تُرى أي وسيلة اتصال باقيـة بيننا و العالم الخارجي منذ ذاك الوقت ؟
إذا كان هناك فعلا عالم خارجي ...
-
-
قصتُك أكثــــر من داميــة أخي يحيى ...

تركي الرويثي (كاتب) منتدى شظايا أدبية / 04-02-05, 01:02 AM

هـو المـاضي عندمـا يهاجمنـا بذكرياتــه الطفوليــة..!

يوجد هنـا الكثير من (أمل) ينتظرون أمــلا يحــل بهــم..!

لكن هنـاك فلسطين واحده تنتظــر إطــلاق سراحهــا..!

دمت مبدعــا

خالد جبور - فلسطين - تم التعليق في 26/06/2004 - موقع القصة العربية

الأستاذ المحترم يحيى، بدون مقدّمات أحبّ أن أسألك هل قصدت كتابة قصّة قصيرة أم رواية ؟ إنّ أسلوب الرسائل بتفاصيلها، وامتداد الزّمن على هذا النّحو، لا يُمكن أن تحتمله القصّة القصيرة، ولكن بإمكانك الاشتغال على العمل من جديد لتحويله إلى رواية قد تروق لبعض الناس ،،،،، وتقبّل احترامي وإخلاصي وصراحتي.

( رد ) يحيى الصّوفي - تم التعليق في 16/09/2004- موقع القصة العربية

الأخ الفاضل انه سؤالي الدائم أيضا هل اقتربت من كتابة القصة وأنا أتجاوزها بالزمن الممنوع عنها ؟ هل اترك العنان لقلمي يتمها رواية طويلة ؟ أأخذ حقي منها في السرد حتى تكتمل ؟ إنها حيرة الكاتب الذي يجد نفسه مقيدا بشروط النص ! وتساءلت ألا يحق لكاتب القصة بتجاوز الزمن وغيره كثيرون تجاوزوا أصول القصة إلى الخاطرة والنكتة والطرفة فجعلوها قصة وهي منها براء ؟؟؟!!! ألا يحق للقصة أن تأخذ بعض من خصائص غيرها لتخدم الهدف الذي كتبت لأجله ؟ هل يغفر لها نزوتها وتعديها على الزمن لتحمل بعض من الراحة والعبرة والنشوة المطلوبة عند قراءتنا لها! أتمنى ذلك واشكر لك تعقيبك مع فائق تحياتي.

د. أسد محمد - سوريا - التعليق في 26/06/2004 - موقع القصة العربية

المبدع يحي الصوفي تحية لك عمل قصصي بامتياز فكرة جديدة وأسلوب يضع القارئ على الحافة بالتأكيد لديك قدرة على الوصف وملاحقة الحدث كصياد وهذا يتناسب مع العمل الروائي لك تحياتي د.أسد

( رد ) يحيى الصّوفي - تم التعليق في 16/09/2004- موقع القصة العربية

الأخ الأديب د. أسد محمد اشكر لك مرورك بقصتي والتعليق عليها واعتذر عن تأخري بالرد لأنني كنت في عطلة من ناحية ثانية أنا اعترف بأنني قليل الحيلة في كتابة القصة القصيرة رغم إبداعي بها إذا ما نويت ذلك ولكن اشعر وأنا اكتبها بان جزء مهما من المتعة ( متعة القراءة ) قد ضاعت . فانا لا أؤمن بالفذلكة القائلة بأننا نعيش عصر السرعة وبان الإنسان لم يعد لديه الوقت الكافي لقراءة قصة طويلة أو رواية لأن الأدب على العموم خلق لمن يحتاجه لكي يستمتع بالكلمة والعبرة والفائدة والى السطور التي تحمله على جناح الحلم والأمل وتكون حافزا له لخوض المستحيل . إن الحرف كالموسيقى كفن الرسم لا يمكن أن نمر عليه على عجلة وألا كان لنا أن نبحث عن حاجتنا في الطرفة والنكتة والمثل فهم يختصروا ويلبوا الحاجة لمن يبحث عن الترفيه السريع عن نفسه ؟! أما أن نكتب تلك الترهات على إنها قصة قصيرة ونروج عند العامة ذلك فانه لحسبي هي الطامة الكبرى التي تلحق بالأدب العربي بعد إن قضت الأغنية والكليب وهز البطون على الثقافة الموسيقية الراقية؟؟؟!!! أم أن لك رأي آخر مودتي.

آيـــة: إشراف عام على منتديات الحاسوب -  أضيفت بتاريخ:8/2/2004 - منتدى المعهد العربي

حفاة على الجمر نسير .. وتحترق أمنياتنا .. سنين الشوك غرسوها في صدورنا .. فأنبتت جراحا رويناها بالذاكرة.. أجبرتني على المتابعة حتى النهاية.... تحية عبقة لهذا القم .. افتقدنا حضورك أيها الراقي

( رد ) يحيى الصّوفي: أديب وكاتب صحفي - أضيفت بتاريخ: 9/9/2004 - منتدى المعهد العربي

حقا ؟... أتقصدين الشعور بالحب...الم تشعرين بحياتك بالحب ؟!...إذا لم تعرفي المراهقة بعد.!...ولم تقرئي قصتي الحب العذري ؟!...سأنقل لأجلكم اليوم إلى المنتدى قصة جديدة تحت عنوان (المراهقة) فهي تصف تلك اللحظات الطاهرة التي تنتابنا في لحظة من المكان والزمان على حين غرة دون إذن منا وترمنا في أحضان المجهول نترك فيه العنان لمشاعرنا متجاوزين كل الحدود وبشجاعة لا مثيل له ولا نستفيق منها إلا بعد أن نستعيد وعينا فنجد أنفسنا في عالم غير العالم الذي تركناه ؟! انه أشبه بالغيبوبة لا ضوابط لها ولا عمر ولا صفة، إنها بكل بساطة انعكاس لما حملته أرواحنا من صور لرغبات وأمنيات وأحلام تمنيناها تسقط علينا كضربة الصاعقة، ولهذا شبه الفرنسيون هذا الحب بضربة الصاعقة ووصفه النبي بحديثة الشريف ( الناس معادن كمعادن الذهب والفضة فما تعارف منها أأتلف وما تنكر منها اختلف ) أو كما قال.

أما إذا كنت تقصدين غير ذلك ففي القصة رموز كثيرة تتمثل في صور شتى تعيشها أمل من خلالها.

فانا وصفتها تلتمس حرية لم تعتد عليها خلف النافذة ( جهاز الكمبيوتر) حيث تستطيع أن تطل على العالم الخارجي دون حجابها وأحيان أخرى في لباس نومها دون ضيق أو حرج بمنتهى الثقة والحرية حتى جاء خالد فتبادل معها المراسلة عن بعد فهي تراه ولا يراها وعندما أدركت ثبات حبه في قلبها وخطت خطوة لمقابلته استيقظت على صوت الجرافات (هي رمز ايضا لتسلط المجتمع أو الأخ أو الأب أو حتى ابن الجيران) تنتزع البيت والحديقة (مساحتها من الحرية) فتعود ثانية إلى عزلتها بعد أن فقدت حبيبها وتضم جهاز الكمبيوتر بكامل ملفاته ومراسلاته في صندوق كبير كما فعلت مع ذكرياتها القديمة.

لا اعرف قد أكون قد أطلت بالرد ولكنني أنا هكذا لا اعرف المجاملة واخذ بجدية كل تعليق يصلني فإما أن أرد عليه حاملا في ردي الفائدة أو لا أرد فاعذروا قلة حيلتي وتقبلوا هذا التوضيح بصدر رحب...مع فائق تحياتي.

نور الأدب:  إشراف عام -  أضيفت بتاريخ: 9/21/2004 - منتدى السياسي

شدتني خربشات الذاكرة تلك ..كان طعم الحزن بمذاق الألم يزينها من البداية ..توقعت كل شيء.. إلا وصول تلك الجرّافات إلى ذكريات طفولتنا وأحلامنا وكأنما لا هدف لهم إلا قتل الأحلام ...!!! تبا لهذا القتل .. الأعمى .. تبا لها من غطرسه ..

رانيا: إشراف عام على منتديات الحاسوب والشبكة المعلوماتية - أضيفت بتاريخ: 9/21/2004 - منتدى السياسي

هل هناك أعمق من هذه وحدة !!

تركي الرويثي  04-02-05 01:02 AM / منتدى شظايا أدبية

هـو المـاضي عندمـا يهاجمنـا بذكرياتــه الطفوليــة..!

يوجد هنـا الكثير من (أمل) ينتظرون أمــلا يحــل بهــم..!

لكن هنـاك.. فلسطين واحده تنتظــر إطــلاق سراحهــا..!

دمت مبدعــا

 

 

الصفحة الرئيسية | الرواية | القصة | المسرح | الشعر | الخاطرة | أدب الرسائل | المقالة | حكايات آية

 

للاتصال بنا أو إضافة تعليق

 

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2003 Almouhytte حقوق النشر محفوظة لموقع المحيط للأدب