الصفحة الرئيسية | المحتويات | بحث | مواقع | الكاتب | الكتاب الذهبي     

  يهتم الموقع بنشر اعمال الأديب: يحيى الصوفي من رواية وقصة ومسرح وشعر ونثر وخاطرة ومقالة وكذلك استضافة اعمال ضيوفه

 

 

 

السنة الخامسة

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 02-06-08

 

 

لا معجزة إلا برضا الله الامتحان العسير
كم أنت شجاع لغيابك عن البيت وحشة
هيا بنا نتنزه لا عيب في الحب

 

لقراءة التعليقات: الامتحان العسير

 

بقلم: يحيى الصوفي

 

 

مسودة

هيا بنا نتنزه..

لقد حل الربيع بنيَّ...

فهيا بنا في نزهة... نتفقد الحديقة التي أحببتها...

جرار الحمام... الأسماك الملونة... الضفادع...

أشجار الفاكهة التي غرسناها سوياً...

أحواض الزهور.

 

ننظف عيدانها الغضة من حشرات المن...

ونخرج من بطونها ديدان الحفار...

قبل أن تمتلئ بطونها...

وتلزم شرنقتها...

وتكثر فيها الأنفاق والثقوب.

 

ونرمم جحور السحالي...

المتناثرة هنا وهناك على أطرافها...

ونحمي بيوضها... من الغربان...

والصقور.

 

ونعيد طلاء الحديد الذي علاه الصدأ...

على الأراجيح... والسلالم...

والمنزلقات...

والجسور.

 

***

 

يتبع... تحت الطبع...

 

لا عيب في الحب..

 

بنيَّ...

هل شعرت بالحَرِّ يوماً!؟...

واتخذت من الأرض فراشاً...

وتلحفت الفضاء؟.

 

وعرفت معدتك الجوع...

ونال العطش منك...

حتى أصابك الإعياء؟.

 

وسرحت في البراري ليلاً...

ترصد النجوم في السماء.

 

باحثاً في بهيم الليل...

عن خليل قد افتقدته...

...عن الأصدقاء؟.

***

هل سمعت الشحرور يشدو...

أغانيه العذبة عند الصباح؟.

 

وأيقظت رطوبة العشب...

على قدميك...

 ذكريات الطفولة...

وأنت تركض في العراء.

 

تطارد الفراشات في الحقول...

تجمعها بأسراب ملونة...

كقوس قزح في السماء.

 

وصنعت من شقائق النعمان باقة...

زينتها بكلمات...

مرتلة كتسابيح الأنبياء. 

***

هل قرعت أجراس الوجود...

وتصنعت على أبوابه الشقاء؟.

 

ووقفت تطلب عوناً...

في العثور عمن كان لقلبك...

معه لقاء.

***

هل تأملت وجوه العذارى...

في عالم لا خبث فيه ولا مرءاة؟.

 

 هامساً في أذن روحك...

أمانيك من الحياة.

 

ساعياً إلى ما قد يبدو...

جنة لا يقربها الرياء.

***

فذلك لأنك للعشق أصبحت أسيراً...

ونال منك الهوى...

وتلوث بالحب الفؤاد.

***

فهل لهذا القلب الرقيق...

من يستحقه؟...

ويكون بحجم ما أملته منه...

من إخلاص...

...من وفاء.

 

ويبقى صامداً...

إلى قربك...

مهما نالك من الأيام...

من جفاء.

***

هو في علم الغيب... بنيَّ!...

لا تختبر صدق السريرة فيه...

إلا عند البلاء.

-------------------

يحيى الصوفي جنيف في 06/10/2007

 مهداة لولدي عادل الصوفي القابع في المستشفى

 وهو يتابع فحوصاته بصبر وشجاعة وإيمان قوي بالله تعالى

 

كم أنت شجاع!؟.

 

بنيَّ... أعرف بأنك حزين جداً...

لأنك لازلت هناك... رهن سريرك في المستشفى...

تتنقل من عيادة إلى أخرى...

 وما تلبث أن تخرج من نفق عملاق يستشعر بدنك...

حتى تدخل واحداً آخراً -بعد أن تكون قد حقنت بمواد مشعة- ليستكشف كل صغيرة وكبيرة في جسدك النحيل..

ويطارد خلاياك من مكان إلى أخر... حتى أصغر نقطة فيها...

جعلتك عارياً تماماً أمامها...

من ثيابك... وجلدك... أعادتك جنيناً... رقيقاً... شفافاً...

كيوم تكونت في رحم أمك.

 

وأعرف بأنك تخفي عني دموعك... وهنك... واستسلامك لقدرك...

تتصنع الشجاعة أمامي!.

 

ولكن... هل تعتقد بأنك تستطيع أن تنتزع الخوف والرهبة من قلبي...

ألا أشعر بك... حتى وإن رأيتك قانعاً راضياً بما يحدث لك!؟.

 

هل تستطيع أن تزرع الاطمئنان في قلب أب ضعيف...

يخشى من هفيف النسمة العليلة إذا ما لامست وجنتيك...

 

كم أنت شجاع لكي تظهر لي رضاك!.

 

ولكن!؟...

البارحة رأيت دموعك... رأيتها سجينة المقلتين الحائرتين...

تستنجد مخرجاً بعيداً عن نظراتي القلقة...

ولكنك أبداً لم تنحن... لم تشح النظر بعيداً عني لتخفيها...

مسكتها بحرص حتى لا تغادر الجفنين... وأخضعتها لمشيئتك...

بقيت شامخاً... صامداً... شجاعاً كما عرفتك.

 

لا أعرف من منا يحتاج لعزاء الآخر... لشجاعة الآخر... لصبر وإيمان الآخر!.

أعترف بأنني كنت أكثر ضعفا منك... وبأنك كنت قوياً وصبوراً كما كنت دائماً.

***

صحيح بأنها لم تكن تجربتك الأولى مع الحوادث والمرض كأي طفل أو شاب أو رجل...

عشرون ربيعاً مضوا وأنت تحبو... وتخطو متنقلا تحت ظلال الزمن...

منسلخاً من مرحلة إلى أخرى أكثر صلابةً وأماناً وقوة.

 

كما تنسلخ الفراشة الرقيقة عن شرنقتها... لتستعرض جناحيها... قرون الاستشعار لديها...

وصلابة أطرافها... قبل أن تغادر التربة التي احتضنتها... والغصن الذي ولدت عليه.

***

حكيت لك يوما كيف ولدت في الشهر السابع... كنت صغيراً جداً لا يتجاوز حجمك حجم قطة صغيرة!؟.

وكان وزنك لا يتجاوز اثنين كيلو غراماً ونصف لا أكثر...

كنت مضطرباً جداً وخائفاً وأنا أشاهدك من خلف زجاج الحاضنة... وأنت ترضع إبهامك بهدوء...

قالوا بأن كبدك لا زال في طور التكوين... وبأن عليك أن تمكث لأسبوع أو أكثر فيها...

 تحت ضوء لمبة حمراء اللون حتى يكتمل نموك وتستعيد نشاطك...

طمأنوني عنك... قالوا بأنك -وكحال كل مواليد السبعة شهور- ستغدو قوياً وصلباً...

ولكن ومع ذلك لم أستطع ألا أقلق عليك... شيء خارج عن إرادتي كان يمنعني من النوم قبل أن أطمئن عنك...

***

وحكيت لك أيضا... كيف كنت تمشي على رؤوس أصابعك... على دفعات سريعة ومتكررة كموجات البحر...

حتى ليخيل لمن يراك من بعيد وكأنك راقص باليه ماهر...

ترفض أن تريح جسمك على باطن قدمك... وكان هذا يسبب لك الكثير من المشاكل...

كنت تقع... وتنهض لتكرر التجربة ذاتها بغبطة قل مثيلها...

وبما أن الجرة لا تسلم في كل مرة -كما يقول المثل-...

فلقد نابك من إحدى العثرات جرح في جبينك لازالت آثاره واضحة إلى اليوم.

***

صحيح أنني كنت مهووساً في تأمين حد أقصى من الأمان داخل المنزل...

وكنت حريصاً ألا تترك قريبا من مصادر الخطر ولا لحظة واحدة...

بعد أن جهزت البيت والحديقة بطريقة مثيرة لاستغراب الضيوف... وتشبه دور الحضانة...

ومع ذلك لم أستطع أن أمنع عنك الأذى... وجدتك عالقاً أمام الثلاجة وإصبعك ملتصقاً بالثلج...

أوقعتني في ورطة وخوف شديدين... بالرغم مما يثيره منظرك من الضحك...

ولا أعرف كيف خلّصت إصبعك منها... لأجده ينزف دماً... ركضت بك إلى المستشفى...

علمت يومها بأن الثلج يحرق كالنار... ويؤلم كالنار... ويشوه كالنار أيضاً.

***

ما جاور تلك الإصبع كان لها نصيباً من الأذى أيضاً...

فلقد كنت سيء الحظ مع الأبواب... فكنا بين الحين والأخر نسمع طقطقة عظيماتها وهي تحصر بين فكيها...

وفي الوقت الذي كانت أبداننا تقشعر من الخوف عليك... كان تأثرك لا يتجاوز نوبات من البكاء...

لتعود من المستشفى مضمداً هادئاً وكأن شيئاً لم يكن!؟.

***

يا سبحان الله... كم هي أقدار بعضنا غريبة!...

فبالرغم من حرصي الشديد ألا أدعك تقود دراجتك الهوائية في المدينة أو في أماكن الازدحام...

لا أعرف كيف أغواك الشيطان لتمارس حركاتك البهلوانية عليها مقلداً أصدقائك وأخاك...

ولأجدك ملقاً على الرصيف في طريق آمن ليس بعيداً عن المنزل..

وقد تمزق بنطالك وفتح ثقب كبير في جلدك وقد استولى عليك الخوف...

الخوف مني... ألا أؤنبك على فعلتك... وصدمت عندما شاهدتني أذوب من الهلع...

لم أسمع صوتك يومها... لم أر دموعك... كنت قد أصبحت شاباً قادراً على التحكم بمشاعرك...

كنت خائفاً علي أكثر من نفسك... وجدتك تتوسل الهدوء والسكينة لي...

إخراجي من هلعي وحزني وخوفي.

***

وهذا ما دعاك فيما بعد، لأن تخفي عني ولأكثر من أسبوع، دخولك المستشفى بحالة إسعاف...

بعد أن فقدت الوعي، أثناء جولة سباق في السباحة، مع فريق المدرسة...

كنت قد تجاوزت سن الرشد، المتعارف عليه هنا...

ولك حرية الخيار، بأن تخبر الأهل أم لا!...

هل حاولت أن تخفف عني... ألا تشغل بالي، في مسألة عارضة... لا تهم!؟.

 

وبأنك أصبحت شاباً، وعليك أن تأخذ على عاتقك بعض من المسؤولية، تعتقني من الاهتمام بك...

هل اعتبرت التمثل بي وأنا أواجه الحياة، بعناد وصبر وحيداً... هو واجب عليك اتباعه!؟.

 

ولكن ماذا تستطيع أن تفعل مع مشاعري... مشاعر أب لا يملك القدرة على التحكم بها...

لأنها مرتبطة بالغريزة... غريزة البقاء... وبالروح... روح الخالق.

***

أللأجل هذا صمدت على ألمك الأخير... أهملت إظهار ضعفك...

وركنت مطمئناً إلى تشخيص الأطباء... كل منهم يحلل حسب معرفته العلة ومصدر الألم!؟.

(إنها تمزق في العضلات... لا... إنها مشكلة في الغضروف...إنها مشكلة عارضة وتافهة..الخ..الخ)

كنت أفاجأ عندما أراك تصلي جالسا!؟...

لم أفهم كيف كنت تصبر على الألم... كيف كنت تلجمه وتلغه من الوجود...

هل حاولت ألا تعكر صفونا ونحن في إجازة بين الأهل والأقارب...

أن تلعب وتسبح وتفرح معنا... ألا تضيع ولا ثانية واحدة من البهجة التي كنا نعيشها...

واطمأننت على ذاك الذي ينغص عليك عيشتك!؟.

***

الحمد لله لأننا توصلنا لكشف السبب والعلة في وقتها المناسب...

وبالرغم مما للحقيقة من مرارة أبشع من مذاق العلقم...

وما للعلاج الطويل من ثمن على دراستك ومستقبلك...

إلا أنك كنت صبوراً... قانعاً بقضاء الله وقدره... رجلاً بكل معنى الكلمة... ولكن بقلب طفل.

***

لا أعرف إذا ما كان بعضنا يحتاج إلى لحظات اختبار كالتي نعيشها الآن...

اختبار للمشاعر... للعواطف... للاهتمام... للإيمان...

كل ما أعرفه بأنك تبقى طفلا بنظري...

كأي شاب بنظر والديه...

لن تستطيع أن تغادر المكان الذي ولد في القلب والروح منذ خلقت...

وهكذا ستكون حالك مع أولادك يوماً...

وهكذا كنت مع والديَّ رحمهما الله.

 

رحمك الله يا والدتي... كنت ترددين دائما عبارة (ربيتكم كل شبر بندر) ولم أدرك معناها الحقيقي إلا عندما أصبحت أباً

وأصبح أولادي شباباً... لأعرف بأن كل شبر منكم هو أكبر من أي نَّذر... أنه مكابدة جديدة...

وكتابة جديدة في صفحة جديدة للحياة... ميلاد جديد... بعد أن نكون على قاب قوسين من فقدانها.

ولهذا كانت تردد أيضا وبعد نجاتنا من كل حادث مؤلم أو مرض خطير...

(لقد كتب الله لكم حياة جديدة)

فهل فتحت صفحة جديدة لك؟... ليكتب فيها خطوط جديدة لحياة جديدة...

عمر جديد ومديد... ترفل فيه بالصحة والتوفيق والسعادة والنجاح...

هذا ما أتمناه وأدعو الله لك ليل نهار عليه...

إنه سميع مجيب الدعوات...

اللهم آمين.

 

ولازلت أذكر إلى الآن كيف كانت والدتي -وقد تجاوزت الثمانين من العمر- تدعوني بإصرار إلى حضنها...

وكنت في الأربعين من عمري... وكنت خائفاً إن أطعتها أن أسبب الأذى لعظامها الرقيقة...

وكانت تجيبني:... (تبقى طفلي الصغير المدلل مهما كبرت...)

وهي الحال معك يا ولدي...

تبقى طفلاً مهما كبرت...

تسعد بحناني وقبلاتي... لمساتي واهتمامي...

وبهم أنا استمد ترياق الحياة وأسعد.

***

فلا من خجل إذا ما أعادك المرض إلى حضن والديك...

تعود طفلاً وديعاً... ولكن شجاعاً... قوياً... مؤمناً بالله.

 

عافاك الله وحماك ودفع عنك كل شر وسوء...

اللهم آمين. 

-------------------

يحيى الصوفي جنيف في 06/10/2007

 كتبت من وحي مكوث ولدي عادل الصوفي في المستشفى

 وهو يتابع فحوصاته بصبر وشجاعة وإيمان قوي بالله تعالى

 

 

لغيابك عن البيت وحشة!.

 

منذ غادرتنا -قاطعا إجازتك المعتادة- لتلتحق بجامعتك...

كان لغيابك عن البيت وحشة...

 

يتبع... تحت الطبع...

 

 

لا معجزة إلا برضا الله

 

 

بني... ليس سهلاً علي القيام بالمعجزات...

أعرف كم هو صعب عليك أن تصدقني...

لقد كنت دائما بالنسبة لك -وأخوتك- مصدراً للامان...

تجدون لدي الحلول لكافة ما تتعرضون له من ضيق أو مرض أو ألم!.

 

يكفي مني لمسة دافئة أمررها على رأسك الوديع... كلمة... أو ابتسامة تزرع الاطمئنان...

أو حتى قبلة صغيرة على مكان الألم، حتى يهزم ويختفي من الوجود!.

 

هذه المرة يبدو بأنني خيبت املك بي... وبلمستي السحرية... وبقبلتي التي تقهر أعتا المصائب!.

 

هاهي لم تستطع أن تفعل شيئا أمام ما حالت إليه اليوم حالك من مرض...

اعترف بأنني لم أكن بمستوى هذا الذي يتربص بك بخبث في بعض خلايا بدنك الطاهر...

يتنكر بأثواب زاهية جميلة تدعو للاطمئنان... لينقض من غير إذن عمن يحتمي به!.

***

اعترف بأنه كان أقوى من الصلوات التي أقمتها...

ومن الأدعية التي قرأتها...

والقرابين التي قدمتها.

 

أقوى من رجائي...

وتوسلاتي...

من دموعي.

 

فقدت المقدرة على طلب العون...

وأغلقت أبواب السماء دوني...

بعد أن جردت مما منحني إياه الباري كمعجزة للشفاء..

فقدت المقدرة على العطاء... لأحباب قلبي... أفئدتي...

بعد أن نال منها الإعياء.

***

يأخذون علي تجاوزي لحدود التأدب مع الله في عتابي!؟.

 

لأنهم يجهلون مقدار حبه لي... وعطفه علي ...

 شدة قربه مني... وشدة قربي منه... تلك العلاقة المميزة والتعاون الوثيق الذي يربطني به...

بحيث كنت وسيلته لتأديب البعض حيناً... ونشر الخير والتسامح والمحبة عند البعض الآخر أحياناً. 

 

وكان لي في كل هذا... مصدراً لقوتي وإلهامي وثقتي وعوني.

 

يجهلون هذا الذي يوثقني به... كما يوثق كل خليل -برباط القوة والرحمة- مع خليله.

 

أنا لا احتاج أن أكون نبيا... أو رسولا... أو وليا لأحوز على القرب منه...

 ليشملني بحمايته ومحبته ورحمته.

 

ربما تجاوزت بثقتي الكبيرة لكرمه علي حتى وصلت حدود الطمع!؟.

 

وهل يطمع الإنسان بغير ربه وخالقة وسابغ النعمة عليه!؟.

***

هو هكذا شهر رمضان معنا...

منذ أربع سنوات... لم يكن رحيما بنا...

كل ما هلَّ علينا... وتفاءلنا ببشائره وخيره...

كنا على موعد مع الحزن والخوف والقلق....

كنا على موعد مع المرض!.

***

((اتق شر من أحسنت إليه))

اعترف بأن هذا الامتحان الذي عشته.. ولازلت... قد أصابني بالهلع!...

كان قاسياً جداً علي... في ثقتي بنفسي... بمن حولي... بالقدر.

 

وجدت نفسي أسير أوهام ومعتقدات وظنون، كنت قد تجاوزتها منذ زمن بعيد، وأهلت عليها التراب...

لم اخضع خلالها لابتزاز أي كان!؟.

 

لان ثقتي بالله، وإيماني العميق به، كان راسخاً وقوياً، ولا يمكن لأي قوة في الكون من زعزعته،

 أو النيل منه، مهما بلغت عظمة المصاب.

 

فكنت اهزأ بكل أولائك الذين كانوا يستغلون السجود أمام الله للدعاء علي...

 لمجرد إثارة غيظي... وإلحاق الأذى بفلذة أكبادي كما يظنون!؟.

 

وكنت وفي كل يوم أرى فيه انضمام حاسد أو عدو جديد إلى هذا الركب،

(وهم من اشد المقربين لي) حيث تكثر فيها دعواتهم الشريرة علي...

كنت أشفق عليه وعليهم... لما يمكن أن ينالوه من غضب من الله...

 لسوء استخدامهم لاسمه جل جلاله...

والاستخفاف به والتلفظ بعبارات وطلبات ودعوات -لإلحاق الأذى بي دون وجه حق- لا تليق به!؟...

بل هي من اختصاص الشياطين دون ريب!؟.

 

فكانوا يصرفون أموالهم -وهم في اشد الحاجة إليها- على كتابة السحر!...

علهم يحصلون من الجن ما لم يحققونه من الدعاء -شراً- إلى الله!؟.

 

دون أن افهم سبباً وجيهاً واحداً لكل ما يفعلونه ضدي!؟... سوى الغيظ والحسد!؟.

 

فكنت ارصد رضا الله علي كلما بادرت برد غيظهم عني بالإحسان إليهم.

 

لما لا وقد كان يكافئني بالنجاح.. فيما كان يلحق بهم الفشل!؟.

***

((واعلم لو أن الإنس والجن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء كان قد كتبه الله عليك)) حديث شريف

 

  لا اعرف كيف تمكن الخوف مني هذه المرة... وأصيب إيماني بالوهن؟...

هل لأنني لم أكن المقصود شخصيا من هذا الامتحان!؟...

وبأن الأذى يمكن أن يطال أولادي... أغلى ما لدي!؟.

 

وهل كان لاستعدادي الدائم في تقبل قضاء الله علي... خيراً كان أم شراً...

وثقتي اللامحدودة بعدله ورضاه وحكمته، كان يضعني في خانة المعصوم من كل أذى!؟.

 

كيف لا وقد كنت أجده إلى جانبي في كل محنة أتعرض لها...

 انسل -برحمته- منها بكل رفق... كما تنسل الشعرة من العجين...

لأعود أكثر قوةً وبهاءً عما كنت عليه.

***

ووقعت ضحية ضعفي... فرحت ابحث عن مذنب لأحمله وزر ما لحق بي من أذى!...

أي مذنب... حتى وان كان مجرد عين حسودة!؟...

ونسيت في لجة مصابي وحزني وألمي... ذاك الذي حصنني ومتعني بالقوة والنجاح طوال حياتي...

إيماني القوي بالله... وبقضائه وقدره.

 

وبأن ما تعرضت له من محنة، لا يعرف سرها وحكمتها إلا بعد حين.

***

بني... اعرف رغم كل ما سقته إليك من حجج...

بأنك لازلت تؤمن بمقدرتي على تخفيف الألم...

والخروج بك من هذا النفق المظلم إلى النور.

 

لازلت تؤمن بقوة لمساتي الخارقة على الشفاء...

كيف لا وقد كنت تشعر بالاطمئنان والهدوء والسكينة...

لمجرد أن امرر يدي الدافئة على جبينك البارد وأنا اقرأ القرآن.

 

ولكن لا معجزة للشفاء -بي أو بدوني- إلا برضا الله.

 

ورضا الله لا يبتغى إلا بالإيمان المطلق بقضائه وقدره.

***

((اللهم أني لا أسالك رد القضاء، بل أسالك اللطف فيه.))

تذكرت هذه العبارة البسيطة البليغة التي كانت ترددها والدتي عند كل محنة نتعرض لها...

رحمها الله -كم كانت مدرسة رحبة لي- واسكنها فسيح جناته.

 

وتذكرت قولها المشهور (الله يسامحكم) لكل من أراد الأذى لها أو لأولادها!؟.

ولم افهم العبرة من ذلك إلا متأخراً... ومتأخراً جداً...

عندما عرفت بأن طلب المغفرة والسماح من الله لكل من أساء لنا

هي مكرمة وعزة وقوة عند الله، لا سابق لها، لتحصيننا من كل شر.

فليسامح الله كل الذين -بقصد أو بغير قصد- هموا بالإساءة،

أو أساءوا بالقول أو الفعل، لي أو لأولادي...

سامحكم الله جميعا عن كل نواياكم وأفعالكم...

وليغفر الله لي.

***

اعترف... بني.... بأنك كنت أقوى مني في ذلك...

رددت لي ما علمتك إياه يوماً بأروع صوره...

رددته لي في هدوئك... وصبرك... وإيمانك...

بارك الله بك... ونصرك... وعافاك... وسلمك من كل سوء...

اللهم آمين.

------------------

يحيى الصوفي جنيف في 04/10/2007

تممت في جنيف في 29/10/2007

كتبت من وحي مكوث ولدي عادل الصوفي في المستشفى

 وهو يتابع علاجه بصبر وشجاعة وإيمان قوي بالله تعالى

 

الامتحان العسير

 

 

بنَيَّ.... لا تخف...

ليس في طيبة القلب التي عرفت بها...

من إثم...

مهما جارت عليك السنين.

 

انه امتحان الباري لك...

لا... ولن يكن قصاصاً أنت بريء منه...

نظيف... طيب السريرة...

ابيض الكفين.

 

وذاك الذي ينساب في دمك الطاهر...

 سماً...

ويلوث أينما حلَّ...

 الأوردة والشرايين.

 

هو بعض من الحقد الأعمى...

الذي ضل الطريق...

بعد أن فقد من ضميره كل دين.

 

فلينتشي كل بائس كاره لي...

ولشبابك الغض...

بما حل بك ظلماً...

فهل سيطيل عمره به؟...

هل سيغنى... ويبرأ من سقم غله؟...

ويعلو به على العالمين.

***

أنت كشجرة باسقة... مثمرة...

يكثر الطامعين بها...

لا يطالوها إلا بالعصا تارة...

وتارة بالحصى...

إن هي لم تدرك باليدين.

 

وهو قدر المعطاء منها...

فاليبس لا تفيد إلا غنيمة...

للحاطبين.

***

الهي لماذا اخترته لهذا الامتحان الصعب؟...

وهو زهرة فتياني...

لم يعرف يوما الغيظ...